فاروق يحب فافيت.. زواج ملكي( فريدة )

Share
عرف علي محبوبته في الرحلة الملكية مع أمه إلي أوروبا عام ٧٣٩١
وضع علي مكتبه شعارا كتب عليه سأفعل ووضع تمثالا  لقبضة  من حديد إشارة إلي هيامه بالقوة
تقليد ملكي  يقضي بأن يكون للملك وزوجته اسمان لهما نفس  الحروف الأولي فتحولت صافيناز« إلي فريدة

 

مثلت حياة فاروق الخاصة  ركيزة أساسية في حكمه، وشكلتها عوامل مختلفة أسهمت فيها المتناقضات، مما كان له الأثر العميق في شخصيته، وساعدت تربيته المغلقة علي أن تترسب في أعماقه دوافع كامنة بدت عليه من حين لآخر، لتعكس ذلك  الأسلوب  الذي اتخذ  له منهجا، وقد كان لاحتكاكه بالمجتمع الغربي  في بداية حياته البصمات عليه.. أيضا فإن عزوفه  عن إتمام تعليمه، والصورة المبجلة التي أعطيت له، والتملق الذي أحيط به، وأخيرا الصفات التي ورثها، كل ذلك منحه تكوينا خاصا بدأت بوادره في العواصم الأوروبية  التي تنقل  بينهما قبل توليه سلطاته الدستورية.

وإذا كان فاروق  قد ورث أوتوقراطية أبيه وشهوة تسلطه ـ  كما تذكر الدكتورة لطيفة محمد سالم أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر  بكلية آداب بنها ـ فإن أمه أثرت فيه عن طريقين: الطريق الأول  الوراثة، إذ ورث حب المغامرة في حدود اللهو عن الجد الأكبر سليمان باشا الفرنساوي، كما أصابه بعض العلامات  غير السوية التي وجدت في عائلة تلك الأم.. أما الطريق  الآخر، فهو تصرفات نازلي بعد وفاة فؤاد الذي كان يقسو عليها ويكبلها بالقيود، فرفعت النقاب وتحلت بأجمل الملابس واللآلئ، وسافرت مع ابنها إلي أوروبا، وربطت  علاقة الحب  بينها وبين أحمد حسنين، وكان ذلك بداية  كره فاروق لأمه حيث اهتزت صورتها أمامه بعد أن فقدت احترامه لها، واستاء من سلوكها عندما اكتشف  ذلك أثناء الرحلة، وتسرب الشك  إلي نفسه خاصة حينما أيقن  أن  رائده يخفي خطابات الوصي  التي امتلأت بالشكوي من تصرفات أمه، وأن أئمة المساجد  لن يتمكنوا من الدعاء له في الصلاة بوصفه حاميا للاسلام حتي يفرض  الرقابة الصارمة عليها.

الملك يكره أمه

ووضح التصدع والاحتدام  بين الملك  وأمه عقب  توليه سلطاته الدستورية.. ولما كان صغر سنه عقبة  للقبض  علي زمام الأم، انفلتت وتحطمت كل التقاليد  القديمة في القصر الذي أصبح مرتعا للموسيقي والرقص، وغدت  سيرة الملكة تلوكها الألسنة.. ويذكر محمد التابعي  أنه رأي  فاروقا  في يوم من أيام سبتمبر ٧٣٩١ يبكي في دار أحد رجال حاشيته برمل الاسكندرية لأن أمه أمضت سهرتها في مطعم بالمكس ولم تكن سهرة بريئة.. فكانت بواكير مثل تلك التصرفات من الأم كفيلة بأن تمزق  شخصية ابنها وهو في مستهل عمره وحكمه.. وعليه فقد شكلت  العامل الأساسي  في بلورة طبيعته.. وبفقدانه الثقة في أمه فقدها في جميع من حوله، وأفرز الصراع النفسي داخله سلوكيات بعينها إندفع  إليها في أحيان كثيرة دون إرادة، فوضع علي مكتبه شعارا كتب عليه »سأفعل« وعززه بتمثال  لقبضة من حديد إشارة إلي هيامه بالقوة، تلك التي أراد  أن يقنع بها نفسه، وقاد سيارته بسرعة رهيبة حتي إن إحدي  الصحف علقت علي ذلك  في مقال بعنوان »إسعاف ورحمة« وأشارت إلي السيارة  التي تجوب شوارع العاصمة وتتبعها سيارة إسعاف  لتسعف ضحاياها وتدركهم برحمتها، والمقصود واضح.

ويذكر لامبسون المندوب السامي  البريطاني  لحكومته بناء علي تقرير من رسل باشا  عن نشاط فاروق، إنه بينما  كان ملازما  للفراش بسبب آلام في أذنه وامتنع عن لقاء الزائرين، فإنه فجأة قاد سيارته بطريقته المعهودة في شارع الهرم وانحرف  تجاه سيارة أخري كان يستقلها الوزير المفوض المجري  مما أدي لإصابته ببعض الكسور، وعندما أمعن النظر في السيارة المعتدية وجد بها الملك  ويرافقه آخر.. وقد عرف  عنه إذا حدث وثارت أعصابه وقاد السيارة وداس  كلبا، يعكس  عواؤه رد فعل عليه فتهدأ نفسه.

هوايات خاصة

وهذا بينما كان شعور الخير ينتابه، ويتضح ذلك في معاملته للحيوانات الأليفة، والرأفة بها، لكنه سرعان مايتحول لتحطيم  البعض منها، وأصبح يجد  اللذة في القدر  الذي  يعذب به الخدم والأتباع، واختلق الآلاعيب التي توصله إلي نتيجة تحقق له ذاته وتشعره بالقدرة علي التنفيذ وساعده علي ذلك تمتعه بالذكاء والذاكرة  القوية والجلد وإن كانت تلك الصفة الأخيرة تلاشت تدريجيا وحل مكانها اللامبالاة ولاحقته بعض الهوايات التي ارتبطت  بحالته: الشراهة في الأكل ـ  خاصة بعد الفترة الأولي من عمره ـ حيث يتناول  في يومه كمية كبيرة من البروتينات والعصير  والمياه والمحار الذي أحضر له خصيصا من كوبنهاجن اسبوعيا لارتباطه  بتوليد قوة معينة.. وقد أسهمت طريقة ونوعية الأكل في بدانته وضخامته، كما أن عدم انتظام الغدد كان له بعض التأثير، بالإضافة  إلي أن  الضعف الهرموني  الذي أصابه ولد عنده الرغبة في تعويض ذلك النقص عن طريق المغامرات التي تعطي الصورة المعاكسة  لما يعاني  منه.. كذلك هوايته للصيد التي تترجم الرغبة في الانتصار وإظهاره القوة والمباهاة، وكثيرا ماكان يدعو الأجانب  للصيد معه وخاصة من العسكريين الأمريكيين  والبريطانيين، وشكل  له العدد الذي يقنصه الأهمية التي تؤكد  ذاته، وأسعده أن تفخر الصحافة به فتنشر  صوره وسط الكم الهائل من البط الذي اصطاده، وخصص له مكانا مغلقا  في وادي الرشراش الممنوع الصيد فيه، ومارس هوايته في صيد الكباش البرية النادرة.

وفي نوفمبر ٦٣٩١ أصبح معروفا  أن فاروق  يحب صافيناز »فافيت« ذو الفقار (وقد ولدت بمدينة الإسكندرية في ٥ سبتمبر  ١٢٩١ بمنطقة جانكليس، وهي تنتمي لعائلة  ذو الفقار المصرية العريقة) وقد اشتهرت صافيناز بعد زواجها بالملك فاروق باسم الملكة فريدة..

وقد اشتركت في الرحلة  الملكية التي قام بها الملك فاروق وأمه الملكة نازلي في عام ٧٣٩١، وخلال تلك  الرحلة  تعرفت علي الملك فاروق وأعلنت الخطوبة الرسمية بعد  عودة الأسرة المالكة  إلي  مصر في صيف عام ٧٣٩١.. وتم الزواج في ٠٢ يناير ٨٣٩١ وسط احتفالات شعبية  لم يسبق  لها مثيل.. وأنجبت  من الملك فاروق  ثلاث بنات هن: فريال وفوزية وفادية.. وكانت محبوبة من الشعب المصري.

فتاة من عامة الشعب

كانت الملكة نازلي تأكدت خلال الرحلة الملكية إلي أوروبا أن فاروق يحب صافيناز.. والملكة  الأم كانت ـ وقتها ـ  امرأة في الأربعين من عمرها مازالت تحتفظ بمظهرها الجميل، وقد تحررت مؤخرا بوفاة الملك فؤاد، تتمتع بطاقة كبيرة، وهي تستعد لبدء أول أدوارها السياسية وتوجيه ابنها خلال مايجري  علي المسرح السياسي ومياهه الضحلة، وقد فردت  شراعها في الساحة السياسية كفرقاطة ذات ٤٧ مدفعا وأعدت كل  أنظمتها للانطلاق.

وكانت الخطوة الأولي، هي أن تجعل  فاروق الذي مازال في طور المراهقة نقيا، يستقر ويتزوج في أمان من فتاة  مطيعة مؤدبة.. فتاة من العامة كما كانت هي ذاتها، فلن تكون هناك أية أميرة أوتوقراطية من الأسرة المالكة.. وكانت هناك كثيرات من الفتيات اللطيفات الممتلئات حيوية يتمنين الفوز بفاروق.. ولكن الأميرات علي أية حال  كن رغم حسن منظرهن، أتوقراطيات ذوات أطوار غريبة، ولايحتمل  قبل كل شيء أن يقبلن الخضوع لسلطان الملكة نازلي.

وكان ثمة اعتبار آخر هو خلافة الملك، وكلما أسرع الملك الشاب  بإنجاب ابن كان ذلك أفضل، فقد كان ذلك أمرا ضروريا  لمواجهة التهديد الكامن المتمثل في مطالبة الأمير  محمد علي توفيق، ولي العهد الذي بلغ  العقد السابع  من عمره.. الماكر الطموح بحقه في وراثة العرش، وقد زاد تودده المستمر نحو  السفارة البريطانية نشاطا مما كان يبرر  مخاوف أنصار حق  فاروق الشرعي.

وكانت صافيناز  التي تطلق عليها أسرتها »فافيت« مناسبة إلي حد كبير، فقد كانت جميلة مرحة ذات طموح، وكانت الملكة نازلي  ترقب بإرتياح  قدرتها علي  السيطرة علي المغريات النسائية، والمغازلات التي لابد منها لاصطياد الملك الشاب  الساذج، البسيط الذي  أفلت لتوه من أيدي  اللواء عزيز المصري، وجاويشية التدريب في  أكاديمية وولوتيش العسكرية، وبقايا تأثير أنظمة المربية مسز تايلور في جناح  الأطفال.. كان فاروق نفسه هدفا  سهلا، ولم يكن هناك شك في أن الحب  العظيم في حياته سيكون هو حبه الأول، الذي سرعان ما جعل الملكة فريدة ملكة مصر، وكان هناك تقليد  يقضي بأن يكون للملك  وزوجته اسمان لهما نفس الحروف الأولي، وكان كل ماهو مطلوب  أن تعطي الملكة نازلي الضوء الأخضر، وقد تم ذلك عن طريق زينب هانم والدة »فافيت« التي كانت إحدي  وصيفات الملكة نازلي، وهي حفيدة سعيد باشا الذي كان أحد رؤساء وزارات مصر، وينحدر من سلالة تركية ويونانية.

كانت »فافيت« تتمتع بكل مايبشر  بأنها ستكون زوجة ابن مثالية، فقد  كانت خجولة  مفعمة بالأمل، وكانت تصرفاتها حيال صاحبة الجلالة  تتسم بالاحترام والتوقير في تواضع ورشاقة وتردد أن الزوجين الشابين قد غرقا  في الحب، وإن كانت فافيت  نفسها لم تكن تهتم بهذه الصورة  من القصة خلال  السنوات التالية، إذ كانت تفضل أن يعتقد الناس أنها لم تقبل الزواج من الملك إلا بعد تردد كبير، وأنها تعرضت  لهجوم مستمر من الشاب قبل أن توافق في النهاية، وقد يكون ذلك صحيحا، وإن كانت الأحداث التالية توحي  بأنه أمر غير محتمل.

وقد جاء إعلان الخطوبة بعد حفل  التنصيب.. وأثار الملك  الشاب ذو الطلعة البهية، والملكتين الشابة الحسناء، والصورة الجميلة الوقورة للملكة الأم خيال الشعب وحماسته، وراح المصريون يهتفون للملك والملكية بشدة ومن أعماق القلب، وكانوا يظهرون حبهم في المناسبات العامة، وقد بلغ  من ضخامة الشعبية التي حققها  فاروق،  أن كلا من حزب الوفد ذي الأغلبية، والسفارة البريطانية بدأ يساورهما القلق.. وكان حفل تنصيب الملك علي العرش  الذي أقيم  في القاهرة مشهدا لامثيل له من العواطف الشعبية الملتهبة، حيث اصطفت الجموع الشعبية  الهائلة  في الشوارع التي تغمرها الأنوار، وعلقت صور فاروق  في كل مكان.. كانت الحماسة الوطنية  التي انبثقت بصورة تلقائية فياضة  متدفقة في تلك الأيام.

أخيرا أصبح لمصر ملك  مصري وطني، يتكلم العربية، ويتزوج مصرية من العامة.. إن فصلا جديدا في تاريخ البلاد يوشك أن يبدأ، فضلا عن أن معاهدة  للاستقلال توشك أن توقع في لندن.. وبينما كانت الألعاب النارية تنهال كالمطر متعددة الألوان فوق أشجار النخيل  بالجزيرة، كان المصريون يرون أن هذه  هي بداية تحقيق آمالهم في مستقبل مشرق كريم.. وعهد جديد في تاريخ أرضهم العريق

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 10.0/10 (1 vote cast)
فاروق يحب فافيت.. زواج ملكي( فريدة ), 10.0 out of 10 based on 1 rating
Share
كتبت قي _مربع الاخبار والحوادث, _مربع مجتمع المحامين وأخبار نقابات المحامين الفرعية, آخر الاخبار, آراء, مقالات عامة. اضف الرابط الدائم الي المفضلة.